ملكية الأَرض

الدرس الأول

 

 

كانتِ الدولةُ الإِسلاميةُ في عَهدِ الرَّسولِ (r) والخَليفةِ أبي بكرٍ الصديقِ مَحصورةً في الجزيرةِ العَربيةِ، حتى اتَّسعتْ فَشَملتِ العراقَ وبلادَ الشامِ في عهدِ الخَليفةِ عُمرَ بنِ الخطابِ.

ازدادتِ رُقعةِ الدَّولَةِ الإِسلاميةِ في العصرِ الأُمويِّ فَشَمِلتْ أواسطَ آسيا وأَفريقيَا الشَّماليةِ (المغرب) وإِسبانيا (الأندلس). ورافقَ الفُتوحاتِ الإِسلاميةَ انتقالُ بعضِ القَبائِلِ العربيةِ على البلادِ المفتُوحةِ واستقرارُها فيها، فامتزَجتْ بسُكانِها الأصليينَ وامتلكت الأرضَ وعمِلت في الزراعةِ والتجارةِ.

قسَّمَ الرسولُ (r) الأراضِيَ الَّتي فتحَها المسلمونَ بين الجنودِ المُقاتِلينَ، بعد أَنْ أخذَ خُمْسَها لبيتِ مالِ المُسلمينَ (أرض العنوة). أما الأراضِي التي قَبِلَ أهلُها بالصلحِ، ولم يقاتِلوا المسلمينَ، فقد تُرِكَتْ بيدِ أهلِها، يَزرعُونَها ويؤُدونَ عُشْرَ إنتاجِها للمسلمينَ إذا كانت تُسْقى بماءِ المطرِ، ونصفِ العُشْرِ إذا كانت تُسْقى ريّاً، وهي الأرضُ التي اصطُلحَ على تسميتِها بـ (أرضِ الصُلْحِ).

الأراضي الخَراجيةُ

وضَعَ الخليفةُ عمرُ بنُ الخطاب التنظيماتِ الإداريةَ المتعلقةَ بالأرْضِ، ووضَعَ الضرَّائِبَ عليها بعد أنْ أتمَّ المسلمونَ فتحَ العراقِ وبلادِ الشَّامِ، فرأى عدمَ قِسْمَةِ الأَرضِ، واعتبارها مُلْكَاً لعامةِ المسلمينَ، فأبقى عليها بيدِ أَصحابِها الأصليينَ، يَزرعُونَها، ويؤدُونَ ضَريبةَ خَراجِها إلى بيتِ مالِ المُسلِمينَ.

وكانَ عمرُ يَهدِفُ إلى حِفظِ حُقوقِ الأُمةِ الإِسلاميةِ، وتوفيرِ دَخْلٍ ثابتٍ للإنْفَاقِ على الجَيشِ الإِسلاميِّ، على أَنْ يتولَّى بيتُ مالِ المسلمينَ دَفْعَ أُعْطِياتٍ لهم (رواتب) لتأمينِ مَعيشتِهِم، هُم وأُسَرِهِم.

الأراضِي العُشْريةُ

على الرُّغْمِ منْ أنَّ مُعظمَ الأَراضِي في البِلادِ المَفتوحةِ كانتْ أراضيَ خَراجيةً، إلا أنَّ ذلك لم يمنعْ وُجودَ أراضٍ خاصةً بالمسلمينَ، يدفعُونَ عنها (العُشْرَ)، كأراضي الصَّوافِي الّتي كانـــتْ

 

الأرضُ المواتُ

وهي الأرضُ الخرابُ التي لا يملكُها أحدٌ، ولا يُوجَدُ بها أثرُ عمارةٍ، ويحدِّدُها أبو يوسف بقوله: "إذا لم يكنْ في الأرضِ أثرُ بناءٍ ولا زرعٍ ولم تكنْ بيتاً لأهلِ القريةِ، ولا موضعِ مقبرةٍ ولا موضعِ محتَطَبٍ أو مرعىً لدوابِهِم وأخيالِهِم، وليست بملك لأحدٍ فهي مَوَاتٌ".

وهذه الأرضُ تُملَّكُ مقابلَ إحيائها استناداً إلى حديثِ الرسول (r): "من أحيا أرضاً مَواتاً فهي له"، وإحياؤها يكونُ بإذنِ الإِمامِ وموافقتِهِ.

وبسببِ الإِقبالِ الشديدِ في العهدِ الأُمويِّ على إحياءِ هذه الأراضِي، حُدِّدَتِ المدةُ الزمنيةُ اللازمةُ للإِحياءِ بثلاثِ سنينَ، ثم أصبحتْ سنتينِ، وإذا لم يقم الشخصُ الذي أُعطيتْ له بإحيائِها فإنها تؤخذُ منه وتُعطى لغيرهِ".

فالح حسين، الحياة الزراعية في بلاد الشام في العصر الأموي، مطابع دار الشعب، الأردن، 1978م، ص52-55.

- لماذا عُرِفتِ الأرضُ المواتُ بهذا الاسمِ؟

 

مُلْكَاً لأفرادِ الأُسَرِ المَالِكَةِ، أو الأَراضِي الّتي قُتِلَ أصحابُها في الفَتحِ الإِسلاميِّ أَوْ هَربُوا منها، وهذهِ الأَراضي تُعَدُّ مُلْكَاً لبيتِ مالِ المسلمينَ، ويحِقُّ للخليفةِ التَصرُّفَ بها بإعطائِها لمن يُريدُ.

اعتُبِرَتِ الأَرْضُ المواتُ مُلْكاً للدولةِ، وإذا طَلَبَ شَخصٌ استصلاحَهَا وزِراعتَهَا، فيصبحُ من حقهِ تَملكُها ودفعُ العُشْرِ عنها.

ازدادَ إقبالُ المسلمينَ على تملُّكِ الأَرضِ والعَملِ بالزراعةِ والعملِ بالزراعةٍ في عهدِ الدولةِ الأُمويةِ، فتحولتْ مِساحاتٌ كبيرةٌ من الأراضِي الخراجيةِ إلى أراضٍ عُشْرِيَّةٍ، وعندما أَسلمتْ أعدادٌ كبيرةٌ من أهلِ الذِّمةِ سَقطتْ عنهُمُ الجزيةُ، وأصبحوا يدفعونَ الزكاةُ فقلَّتْ وارداتُ الخزينةِ من الأَموالِ، فاضطرَ بعضُ الوُلاةِ إلى أَخْذِ الجِزيةِ والخراج ممَّن أَسلمَ، وهذا يتعارضُ مع التنظيماتِ الإِسلامية، فترك الفلاحونَ قراهم إلى المُدنِ وتركوا العمل بالزراعةِ.

استمرتْ هذه المشكلةُ قائمةً حتَّى تولَّى عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ الخلافةَ، فوضعَ حلاًّ يَحفظُ حقوقَ بيتِ المالِ، وحقوقَ المسلمينَ، فميَّزَ بينَ الخَراجِ والجِزيَةِ، فاعتبَرَ الجِزيَةَ ضَريـبةً يُؤدِيها غيرُ المُسلِـــــــمِ، ولكنها تسقـــطُ عنــــــه إذا أسْلَـــــمَ،

أمَّا الخراجُ فهو إيجارٌ للأرضِ الَّتي اعتُبِرَتْ مِلكيةً مشتركةً لجميعِ المسلمينَ، وتُرِكَتْ بيدِ أَصحابِها يزرعُونَها لقاءَ دفعِ مَبلغٍ مُعينٍ للدَوْلَـــةِ،

فبذلكَ تَبْقى هذه الأرضُ تَدْفعُ الخَرَاجَ، ولا تتحولُ إلى أراضٍ عُشْرِية حتى لو أسلمَ صاحبُها.

نظامُ الإقطاعِ الحربيِّ

سادَ نظامُ الإِقطاعِ في العالم الإِسلاميِّ منذُ القرنِ الثالثِ الهجريِّ، عندما ضَعُفَتْ الخِلافــــــةُ

نظامُ تضمينِ الخراجِ

كانتِ القروضُ التي احتاجتْ إليها الدولةُ بدايةَ تضمينِ الخراجِ، وأولُ من أخذَ بذلكَ الخليفةُ العباسيُّ المعتضدُ (279-289) (982- 910م) حدَّثَ أبو القاسم عبيد الله بن سلمان وزيرَ المعتضد أحدَ أصحابِه فقال له: قد وردَنا على دنيا خرابٍ مستغلقة، وبيوتِ مالٍ فارغةٍ، وابتداءِ عَقدٍ لخليفةٍ جديدٍ، وبيننا وبين افتتاحِ الخراجِ مدةٌ، ولا بدَّ لي في كلِ يومٍ من سبعةِ آلافِ دينارٍ لنفقاتِ الحضرةِ (قصر الخليفة) على غايةِ الاقتصارِ والتجزئةِ، فإن كنتَ تعرفُ وجهاً تُعينني به فأرشدْني إليه، فأشارَ صاحبُ الوزيرِ بإطلاقِ ابني الفراتِ، وكانا عاملينِ لهما دهاءٌ وخبرةٌ بالأعمالِ والأموالِ، فأطلقَهما من سجنِهما، فخاطبَ أحدُ الأغنياءِ في أنَ يضمَنَ جزءاً من أرضِ العراقِ، على أن يحمِلَ من مالِه في كل يومٍ سبعةَ آلافِ دينارٍ، فأعطى خَطَّهُ (توقيعه) بذلك، وعرَفَ الوزيرُ الأمرَ هو والخليفةُ، وسُرَّا لهذا الحلِ الجديدِ بما انطوى عليه من مهارةٍ.

أبو الحسن الهلال بن حسن الصابي، تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء

      ص10 - 11

- ما المساوئِ التي ترتَّبتْ على تضمينِ الخَراجِ؟

 

العبَاسيةُ، وانقسَمَتْ إلى دُويلاتٍ مُتعددةٍ، فعجِزتِ الدَّولةُ عن دَفْعِ رَواتِبَ الجَيشِ، وقامت بإقطاعِ الجُندِ الأَراضِيَ الخَراجيةَ، للانتفاعِ بوارِداتِها، بينما تبقى مِلكيةُ الأرض للدولة. وكان حقُّ الانتفاعِ بالأرضِ مرهوناً بالخدمةِ العسكريةِ، ومحدوداً بفترةٍ زمنيةٍ ولا يجوزُ توريثُها. وكانتِ مِساحةُ الإقطاعِ تتناسبُ مع عددِ الجُنودِ الَّذينَ يجبُ على القائدِ العسكريِّ أو الأميرِ تقديمُهُم للدولةِ عند القتالِ.

وتوسَّعَ المسلمون فيما بعد في نظام الإقطاع لا سيما زمن المماليك والعثمانيين، فأصبحتْ غالبيةُ أراضِي العَالمِ الإِسلاميِّ إِقطاعياتٍ تُعطِي لكبارِ الموظفينَ والعكسريينَ. ولم تَعرفِ البلادُ العربيةُ المِلكيةَ الخاصةَ للأرضِ بمعناها السائدِ الآنَ، إلا بعدَ تطبيقِ قانونِ الأَراضِي العُثماني الَّذي صَدرَ عامَ 1858م.

ومن أنواعِ الأَراضِي الأَوقافُ، التي يُخَصَّصُ إنتاجُها للإِنفاقِ على المساجدِ والمدارسِ والمشافِي (المستشفياتِ) الّتي يوقِفُها الخُلفاءُ والسلاطينُ والوزراءُ الوُلاةُ. وقد انتشر هذا النوعُ من الأرضِ بشكلٍ كبيرٍ في البلادِ العَربيةِ والإِسلاميةِ منذُ العهدِ العباسيِّ. ولا يجوزُ تحويلُ أراضِي الأَوقافِ إلى ملْكيةٍ خَاصةٍ.

 

 

 

الأسئلـــــة

 

 

 

 

1- وَضِّحْ المقصودَ بالمصطلحاتِ والمفاهيمِ الآتيةِ:

أرضُ العنوة، أرضُ الصُلحِ، الأرضُ الخَراجيةُ، الأَرضُ العُشْريةُ، أراضِي الأَوقافِ، الصَّوافِي.

2- لماذا عارضَ الخليفةُ عمرُ بنُ الخطابِ قِسْمَة الأَرضِ بينَ الفاتحينَ؟

3- كيفَ أصلحَ الخليفةُ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ نظامَ مِلْكِيةِ الأرضِ والضرَّائِبَ؟

4- لماذا سادَ نظامُ الإِقطَاعِ العَسْكريِّ في العالمِ الإِسلاميِّ؟

5- أجبْ بكلمةِ صح أو خطأ عن الأسئلةِ الآتيةِ:

أ- أرضُ الصُلْحِ هي الأرضُ التي افتتحَها المسلمونَ بالقتالِ.

ب- إذا أسلمَ الذمِّيُ تسقطُ عنه ضَريبةُ الخَراجِ.

- كان ملتزِمُ الخَراجِ يلتزمُ بِأَنْ يجمعَ أكْثَرَ من المِقدارِ الذي التزمَ به للدولةِ.

د- لا يُعطِي نظامُ الإِقطاعِ العَسكريُ الحقَ له بملكيةِ الأرضِ وتوريثها لأبنائِهِ.

- يجوزُ تحويلُ أراضِي الأوقافِ إلى مِلْكِيةٍ خَاصةٍ بعد مُضِيِّ فترةٍ زَمنيةٍ مُحددَةٍ.

 

 

الأنشطــــــة

 

 

 

 

اقرأ النصَّ الآتِي وأجبْ عن الأسئلةِ التي تليه:

 

قال أبو يوسف: "شاورَ عمرُ بنُ الخطابِ أصحابَ رسولِ الله (r) في قسمةِ الأرَضينِ(1) التي أفاءَ اللهُ على المسلمينَ من أرضِ العراقِ والشَّامِ، فتكلَّمَ قوْمٌ فيها وأرادوا أَنْ تُقْسَم لهم حقوقُهم وما فتحوا، فقالَ عمرُ: فكيفَ بمن يأتي مِنَ المسلمين فيجدونَ الأرضَ بعلوجِها(2) قد قُسِّمت ووُرِّثَتْ عن الآباءِ وحِيزَتْ (ملكت) ما هذا برأي.. واللهِ لا يُفتح بعدي بلدٌ فيكونُ فيه كبيرُ نيلٍ(3)، فإذا قُسِمَتْ أرضُ العراقِ بعلوجِها، وأرضِ الشَّامِ بعلوجِها، فما يُسَدُّ به الثغورُ؟ وما يكونُ للذريةِ والأرامل بهذا البلدِ وبغيره من أهلِ العراقِ والشامِ؟

فأكثرُوا على عمرَ وقالوا: تقفُ ما أفاءَ اللهُ علينا بأسيافِنا على قومٍ لم يحضروا ولمْ يَشْهدوا، ولأبناءِ قومٍ ولأبْناءِ أبْنَائِهِمْ ولم يحضُروا؟

فأرسلَ عمرُ إلى عَشرةٍ من الأنصارِ خمسةً من الأَوْسِ وخمسةً من الخزرجِ من كبرائِهم وأشرافِهم، فلما اجتمعُوا حمِدَ اللهَ وأثنى عليه وقالَ: قد سمعتُم كلامَ هؤلاءِ القومِ الذين يزعمُون أني أظلِمُهُم حقوقَهُم، وإني أعوذُ باللهِ أنْ أرتكبَ ظلماً، ولكن رأيتُ أنَّه لم يبقَ شيءٌ يُفتحُ بعد أرضِ كسرى، ولقد غنِمنا واللهِ أموالَهم وأرضَهُم وعلوجَهم، فقسمتُ ما غنموا من مالٍ أو     رِثةٍ(4) بين أهلِه، وأخرجتُ الخمسَ فوجهتُه على وجهِهِ، وقد رأيتُ أنْ أحبسَ الأرضِينَ بعلوجِها، وأن أضعَ عليهم فيها الخراجَ وفي رقابِهِمُ الجزيَة، يؤدُونها فيكونُ فيئاً للمسلمينَ، للمقاتلةِ والذريةِ ولمن يأتي بعدَهم، أرأيتُمُ هذهِ الثغورَ؟ لا بد لها من رجالٍ يلزمونِها، أرأيتُم هذه المدنَ العِظامَ؛ الشامَ والجزيرَةَ والكوفةَ والبصرةَ ومصرَ؟ لا بد لها من أن تُشحَنَ بالجيوشِ وإدرارِ العطاءِ عليهم، فمن أينَ يُعطَى هؤلاءِ إذا قُسّمتِ الأرضينَ والعلوجُ؟

أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم، ت182،

كتاب الخراج، تحقيق محمد إبراهيم البنا،

دار الاعتصام، 1981م، مصر، ص68-71

- عدْ إلى المكتبةِ، واستخرِجِ من المعجَم اللغوي معانِي الكلماتِ الآتيةِ: أَفاءَ، حِيزَتْ، الثُغورُ، حَبْسُ الأَرَضِينَ، تُشحنُ.

- أشارَ النصُّ إلى رأيينِ فيما يَتعلقُ بالأرضِ المفتوحةِ في العراقِ وبلادِ الشَّامِ، وضِّحْ وجهات النظر الواردة في النص حول أراضي الشام والعراق.

- هل تؤيدُ موقِفَ الخليفةِ عمرَ بن الخطابِ بعَدَمِ تَقسيمِ الأَرضِ على الجُندِ؟ ولماذا؟

- استخرجْ من النَّصِ التدابيرَ الإِداريةَ التي عَمِلَ بها عمرُ بنُ الخَطابِ.

جمع كلمة الأرض.

(1) الأرضين    :

كفار العجم، ويقصد بها هنا سكان العراق وبلاد الشام وقت الفتح الإسلامي.

(2) العلوج       :

التعب والمشقة على المسلمين.

(3) النيل         :

أرذل المتاع، ويقصد بها الأثاث والأمتعة.

(4) الرثة         :