23899,5112,,04012005 أنواعُ الفنونِ الإسلاميةِ

 

أنواعُ الفنونِ الإسلاميةِ

ثانياً

 

  تقسمُ الفنونُ الإسلاميةُ إلى أنواعٍ عدةٍ ، وهي :

 

1-  فنُّ العمارة

يعدُّ فن ُّ العمارةِ من أهمِّ الفنونِ الإسلاميةِ ، فبالإضافةِ إلى كونِ المساجدِ و المدارسِ والقصورٍِ  و الأضرحة والأربطةِ والخاناتِ والحماماتِ والأسواقِ والتكايا التي شيدَها المسلمونَ      تشهدُ على عظمةِ هذهِ الحضارةِ ،تعبرُ أيضاً تعبيراً  صريحاً عن صرامةِ تعاليمِ الإسلامِ وبساطتِها ونقائِها. وقد عملَ الصناعُ والمعماريونَ  والفنانون َ معاً في تشييدِ المباني وزخرفِتِها فتداخلتِ الزخارفُ معَ البنيانِ بشكل عفويِّ متناسقٍ ، لتتحدَ في كلِّ متكاملٍ، وبقيَتْ معظمُ المباني الإسلاميةِ حتى يومِنا هذا تفي بالغرضِ نفسِه الذي بنيَتْ من أجله ِ قبلَ قرونٍ .

 لقد أبدعَ المسلمونَ في تخطيطِ المدينةِ الإسلاميةِ ، ودراسةِ الفراغِ وطريقةِ ملئِه بالحيزِ المعماريِّ  المتكاملِ  الذي يفي بالأغراض المادية والجسديةِِ والمعنويةِ والروحانيةِ للمسلمِ . فالبنيانُ المتلاصقُ والمتواصل ُ في المدينةِ يعبرُ عن تضامنِ الأمة ورفض التعالي والشموخِ، عملاً بالعقائدِ والأخلاق ِ الإسلاميةِ . وفكرةِ التواصلُ في والتماسِ في  المدينةِ الإسلامية  الخاضعةِ لمبدأ التضامن ِ  الواردِ في السنةِ النبويةِ الشريفةِ ، تمثل الجسدَ الحيًّ  بينما يمثل ُ المسجدُ ،قلبَه النابضَ، فهو بيتُ اللهِ ، يجتمعُ فيهِ البشرُ للصلاةِ و التشاورِ والدرسِ والتعليمِ أيضاً، ومنه تنبثقُ  المدرسةُ والسوقُ والتكيةُ والخانُ ، والمستشفى وبيتُ الحكمِ والتربةُ وبيتُ المالِ ، تلبي احتياجاتِ الناس الروحيةَ والجسديةَ منَ المهدِ إلى اللحد. من هنا جاءَ اهتمام المسلمين بهندسةِ المسجد وزخرفتِه تقسيم الحيزِ فيه ِ تقسيماً  يفي بأغراضهم الروحية والجسديةِ.

وأهمُّ المباني في العمارةِ الإسلاميةِ هي :

 

المسجدِ أوِ الجامعُ

وأولُ مسجدٍِ في الإسلامِ هو مسجدُ الرسول(صلى الله عليه وسلم) في المدينةِ، اتُّبعَ تصميمهُ في بناءِ معظمِ العصورِ الإسلامية المبكرةِ . وهو مكونٌ من صحنٍٍ مكشوفٍ ، تحيطُ بهِ الأروقةُ  المسقوفةُ منَ الجهاتِ  الأربعِ . وقد أصبحَ للمسجدِ وظيفةٌ في الحياةِ الاجتماعية والسياسية والثقافية ِِ في المجتمعِ الإسلاميِّ  لا تقلُّ أهميةً عن وظيفتِه الدينيةِ ، فهو المكان الذي يجتمعُ فيهِ المسلمون للبتِّ في كلِّ  الأمورِ الهامةِ التي تخصّهم . وأول ُ  عملٍ  يقومُ بهِ الخليفةُ عندمَاِ يتولّىِ زمامَ الحكمِ  هو الذهابِ إلى المسجدِ و الخطبةُ فيهِ ، ليأخذَ البيعةَ من الناسِ ويطلقُ عليهِ اسمُ الجامعِ عندَما يُستخدم لصلاةِ الجمعةِ والأعيادِ ُ 

الضريحُ

وهو بناءُ يقامُ على قبرِ وليِّ أو حاكمِ أو شخصيةٍ مهمةِ ، وأول من بنى الأضرحة في الإسلام همُ  السلاجقةُ الأتراكُ.

 

ج- التكيةُ

بيتُ الدراويش المنقطعينَ للعبادةِ ، وقد انتشرتِ التكايا في العهدِ العثمانيِّ في جميعِ الأراضي التي كانَتْ تحتَ حكمِهم .

د- السبيل

وهو المكان الذي يُسقى منهُ المارةُ بالماِء، وعادةً ما يُلحقُ بمسجدٍ ، ولكنَّه يكونُ أحياناً بناءً مستقلاً وسطَ السوقِ .

ه- الخان

الفندقُ الذي يأوي إليهِ المسافرُ، ويقيمُ فيهِ عند قدومِه إلى مدينةٍ غريبةٍ ويكونُ فيهِ عادةً مكانٌ مكان لإيواء الناس ِ ، وآخر لربط ِ الدوابِ ، ومخازنُ للقوافلِ التجارية

 

و- القلعةُ أو الحصنُِ.

وهو بناءٌ شيدَ ليخدمَ أغراضاَ عسكريةً ، وعادة ما يكون في مكانً مرتفعٍ ، أو مدخلِ المدينة.

 

ز- السوقُ أو القيسريةُ

    وهو عصبُ الحياةِ التجاريةِ والاقتصادية للمدينة ِ، يُغطي مساحةً كبيرةُ منِ الأرضِ ، وعادةً ما يكونُ مسقوفاً ومقسماً حسبَ البضائعِ أوِ الحرفِ ن فنجدُ سوقَ النحاسينَ ن وسوقَ الوّراقينَ ، وسوقَ البهاراتِ ، وسوق العطارينَ ، وسوقَ الذهبِ

 

ح- الحمَّامُ

     وهو المكان ِ العامُّ الذي يستحم ُّ فيهِ الناسُ ، انتشرَ بناؤُه في المدنِ الإسلامية.

 

ط- القصر والدارُ

لقد بقيت آثارُ بعضِ القصورِ، ولكنَّ معظمَ آثار الدورِ الخاصةِ زالتْ بسببِ إعادةِ البناءِ فوقََها، وعادةً ما كانتْ تُلحقُ بالقصرِ أو الدارِ حديقةٌ ، وقد اهتمَّ المسلونَ كثيراً بفنِّ هندسةِ الجنانِ كما في الشكل (2)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ي – سور المدينةِ وأبوابُها

    أحاط َ المسلمونَ معظمَ مدنهِم بسورٍ عالٍ لأغراض أمنيةٍ و دفاعيةٍ ، ويتخللُ السورَ أبوابٌ ضخمةٌ تقفلُ بعدَ غروبِ الشمسِ، وتفتحُ عند َ الفجرِ .

 

2- فنونُ الكتابِ

فنون ُ الكتابِ من أكثر الفنونِ الإسلاميةِ تميزاً ، تضمُّ فنَّ التذهيبِ و التجليدِ  والخطِّ والتصحيفِ ورسمِ  المنمنماتِ و التزويقِ. ومما لا شكَّ فيه أنَّ أكثر فنَّ تنطبقُ عليه  صفةُ الإسلامِ هو فنُّ الخطِّ العربيِّ ز فهو الوحيد الذي لم يتأثر ْ َبأيّ من أيِّ حضارة ٍ أُخرى ، وإنَّماَ انبثقَ من أهميةِ الكلمةِ في الدينِ، وأهميةِ الحفاظ ِ عليها وتقديمها في أحسن صورةٍ. 

 

    وقد دخل َ هنُّ الخطِّّّ في جميعِ مستلزماتِ المسلمِ ، ابتداءً من العمارةِ وانتهاءً بالألبسةِ و الأواني المنزليةِ ، وأواني الزينةِ والأسلحةِ والبيارقِ والكتبِ والنقودِ والمصوغاتِ . هذا وقد كتبَ المسلمونَ على الحجرِ والجلدِ والقماش  والزجاجِ ، والخشبِ والورقِ والمعادنِ والأحجارِ الكريمةِ والطينِ والعاجِ ِ والجبرِ والطوب و الجصِّ  . الشكلُ(3).

 

3- فنُّ الخطِّ

اللغةُ العربيةُ هي إحدى اللغاتِ الساميةِ التي وُجِدتْ قبلَ مجيءِ الإسلامِ ، والعربيةِ التي  نعرفُها  اليومَ قراءةً وكتابةً- أصلُها من شمالِ الجزيرةِ العربيةِ ، عُرفتْ فيما بعدُ بلغةِ القرآنِ ، وكانتْ قدِ انتشرتْ في القرن ِ الخامسِ للميلادِ بينَ القبائلِ القاطنةِ في الحيرةِ والأنبارِ . وانتقلتْ في أواخر القرنِ الخامسِ وأوائلِ القرن السادس  الميلاديِّ إلى الحجاز في غرب الجزيرةِ .  ويقالُ إنَّ من أوائل الكتاب في مكةَ بشر َبنَ عبدِ الملك ِ ، وحرب بن َأُميةَ وقد تعلمَ  الكتابةَ على أيديهم كلُّ من: عمرَ بنِ الخطابِ ، وعثمانَ بنِ عفانَ ،وعليِّ بنِ أبي طالبٍ ، وطلحةَ بنِِ الزبيرِ  ، وأبي عبيدةَ بنِ الجراحِ ، ومعاويةَ بنِ أبي سفيانَ   .

ومن مكةَ انتقلتِ الكتابةُ إلى المدينةِ ، وانتشرت بين َ قبائل الأوسِ و الخزرجِ وثقيف ٍ وأشهر كتَّابِهم زيدُ بنُ ثابتً الذي أصبح ِ فيما بعدُ كاتبَ الرسول( صلى الله عليه وسلم ).

 

 

       إنَّ أقدمَ أنواعِ الخطِّ هو الجزمُ ، ويشبهُ الخطَّ الكوفيَّ في زواياهُ الحادة ِ وضرباِته الطويلةِ ، وقد كانَ لتدوين القرآن أكبر الأثر ِ في تطوير الخطِّ العربيِّ ، ومنه ُ تفرعتْ خطوطُ عدةٌ : هي الخطُّ المكيُّ والمدنيُّ  والحيريُّ والأنباريُّ ، ولكنَّ الخطَّ المدورَ والمثلث َ والتيئم التي تدرَّجَ منها المكور والمبسوط هي أهمُّهاِ، بينَما تطور َ من المكيِّ والمدنيِّ المشقُ والنسخُ والمائلُ كما في الشكل (4)

أمّا في الكوفة ِ بالعراقِ فقد  كان الخطُّ الحيريُّ أكثرَ انتشاراً ، ومنهُ تطورَ الخطُّ الكوفيُّ المبكرُ بأحرفه الهندسيةِ ذات الزوايا القائمة ، الذي يعدُّ أساسَ معظمِِ الخطوطِ العربيةِ ، واستخدمَ في العصر الأمويِّ لأول مرةٍ كجزءٍ منَ الزخرفةِ على الجدرانِ والجرارِ.

ووصلَ الخطُّ الكوفي ُّ درجةَ الكمالِ في أواسطِ القرن الثاني الهجري / النصف الثاني منَ القرنِ الثامنِ الميلادي . وقد رسمَ بهِ القرآنُ ، وبقي كذلكَ لأكثرَ من ثلاثة قرونٍ متتالية. أمّا النسخيّ، فأحرفهُ منحية مائلةٌ، وقراءتُه أسهل منَ الخطِّ الكوفيِّ، يستعملُ في كتابة الدواوينِ، ومن هذين الخطين ِ نشأتْ وتطورت خطوطٌ كثيرةٌ .

وقبل َ صدر الإسلام عرف َ العرب ُ تنقيطَ الحروفِ الهجائيةِ المتشابهةِ كالجيمِ والحاءِ والخاءِ، والسينِ والشينِ والصادِ والضاد وكذلك َ الحركاتُ كالشدةِ والفتحةِ والضمةِ ، ولكنّهم لم يستعملوها لتمكِنهمِ منَ اللغةِ، وكانت دلالةُ الكلمةِ تنبسطُ منَ المعنى الإجماليِّ للجملةِ. وعندَما تمَّ الفتحُ الإسلاميُّ، ودخلتْ أمم أُخرى تحتَ الحكمِ العربيِّ ِّ الإسلاميِّ لم تكنْ تعرف اللغةَ العربيةَ، فبدأتْ تخلط ُ بينَ الحروفِ وفي القرن الأول للهجرة\ السابعِ للميلادِ بدأت استعمال ُ النقط على الحروفِ للتفريقِ بينَها، وكذلكَ تشكيل ُ الكلماتِ كي تسهل  قراءتُها وفهمُها، وسبب ذلكَ تفادي اللحن في قراءة القرآن الكريمِ.

والقرآن أهمُّ كتابٍ في اللغةِ العربيةِ،فهو منزلٌ منَ اللهِ سبحانَه وتعالى، يجمعُ ما بينَ العبادةِ و التشريعِ، تفننَ العربُ في كتابتهِ بخطوطٍِ جميلةٍ ، وطوروا فنَّ الخطِّ العربيِّ ليصبحَ فناً رفيعاً بذاتهِ. فهو أكثر ُ الفنونِ أصالةَ لأنّه  لم يقتبس عن أحدٍ. ولا تأثرَ بفنِّ آخرَ. وقد ارتقى فنُّ الخطِّ عند العربِ إلى أعلى مرتبةٍ، فبه انتشرتْ كلمةُ اللهِ

 

ودينهُ.وقد ساعدَ نزولُ القرآنِ باللغةِ العربية ِعلى  انتشارها في أرجاء ِ العالمِ الإسلامي، فجُمعَ أولُ مصحفٍ زمنَ حكم الخليفةِ الراشديَّ عثمان بن عفان ، وظل َّ الناسُ يتناقلونه بهذهِ الصورة  دونَ تغيير ويعدُّ أكثر َ الكتبِ تدويناُ وطباعةً في العالمِ. بدأ في العصر الأمويِّ استعمالِ الخطَِ كعنصر زخرفيٍّ في العمارةِ وعلى الأواني واستخدام الحرف العربيُّ  على جميعِ الموادِّ والخاماتِ؛ كالزجاجِ والفخار النحاسِ والفضةِ والذهبِ، والطينِ والجير والطوبِ والجصِّ والحجرِ والقماش والورق ،والعاج والأحجارِ الكريمةِ وغيرها الشكل(5)

4-الرقش ُ العربيُّ

لو أردْنا تعريف الفنِّ الإسلاميِّ الأصيل والعميق والأكثر انتشاراً ، لاخترنا الرقش العربيَّ وهو مجموعة أشكال منتظمةٍ ومتنوعةٍ تنفذ بمختلفِ الخاماتِ وينظمُها حيزٌ ذو بعدينِ، تتصفُ مكوناتُه بالتكرارِ والتناظرِ

 

والحركية ، و تعودُ أصلاً إلى أشكالِ  مأخوذة منَ الطبيعةِ؛ كالأزهارِ وأوراقِ الشجرِ والأشرطة ِ المتواصلةِ، ومنْ الأشكال  الهندسية؛ كالدائرة والمربع والمثلثِ ويستعمل الرقش ُ العربيُّ في  تغطية  المساحات ِ الفارغةِ في العمارةِ والكتبِ والأواني والأثاث والسجادِ.  وله ُ-  بأشكاله المتصلة ِ والمتواصلةِ والمتكررةِ والمتولدةِ من بعضِها

إلى ما ل نهاية  مدلولٌ جماليُّ ظاهرٌ، ومدلولاتٌ روحانيةٌ؛ أهُّمها ما يرمزُ إلى أبدية الخالقِ، وسرمدية الوجودِ. الشكل(6).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

5- فن التصوير

لم يأت في القران الكريمِ عن نهيٌ التصويرِ وإنّما جاءَ في الحديث النبويِّ الشريفِ نهيٌ عن تصوير الكائناتِ الحيةِ، وعلى الرغمِ من ذلك فإنَّنا  نجدُ في العصر الأمويٍّ تصويراً للكائناتِ كجدارياتِ قصرِ عمرةَ  في البادية الأردنية . الشكل (7) وعثر على صور مدن من الفسيفساءِ في قبة الصخرةِ، والجامع الأموي بدمشقَ وفي العهدِ العباسيِّ الأولِ ثم العثور في سامراء على جدارياتٍ لصورٍ آدمية ٍ وتماثيلَ، واستمرَّ فنُّ التصويرِ في العهدِ العباسيّ ٍِ 

 

الثاني، وازدهر في القرن ِ السادس الهجري / الثالثَ عشرَ الميلادي في بغدادَ والموصلِ. أمّا زمن َ الحكمِ المغوليِّ في الهندِ، والصفويِّ في إيرانَ، والعثمانيِّ في تركيا فقد وصلَ فنُّ تصوير المنمنماتِ ذروةَ الإبداعِ الفنيِّ والجماليِّ. والتصويرُ في الإسلامِ يختلفُ تماماً عنِ التصويرِ في الحضاراتِ الأخرى؛ فالصورةُ في الحضارةِ الغربيةِ منذُ عصرِ النهضةِ هي التعبيرُ عن ماديةِ الفكرِ اليونانيِّ الذي يكون أساسَِ الفكرِ الغربيَِ،وتسيطرُ عليها نظرية المحاكاة التامةِ للطبيعةِ،كما أنَّ الصورةَ تؤدي دوراً طقوسياً، ومهمةً تعليميةً ووعظيةً؛كتصويرِ قصةِ السيدِ المسيحِ-عليهِ السلامُ-على جدرانِ الكنائِس وفي الكتبِ الدينيةِ. أما عندَ المسلمينَ وفي حضارتِهم فقد قامتِ اللغةُ العربيةُ باستيفاء الحاجاتِ الروحيةِ، وأدتْ بقدراتِها التعبيريةِ والتصويريةِ وظائفَ الصورةِ على أحسن وجهٍ. والصورة ُ في الفنِّ الإسلاميِّ لم تعبرْ عن اهتماماتٍ وعظيةٍ وأخلاقيةٍ، إلاّ بينَ الأممِ التي لم تكن ِ العربية لغتها الأصليةَ كالهندِ وإيرانَ وتركيا . ونرى هذا واضحاً في الموضوعاتِ المصورةِ في فنِّ المنمنماتِ.

وبما أن الفنَّ الإسلاميِّ يعبرُ في معظمِه عن الدلالةِ الروحانيةِ للأشياء، ولا يعبرُ عن ماديِتِها بأوصافِها الظاهريةِ فقط، لذلك َ يجبُ عندَ تذوقِ العملِ الفنيِّ الإسلاميِّ انْ يُنظرَ إليه من المفهومِ الروحانيِّ والشكليِّ معاً، وكلما اقتربَ العملُ منَ المفهومِ الروحانيِّ، وتسامى عن المحاكاةِ الحرفية ،كان أقرب إلى مفهومِ الجماليةِ الإسلامية ِوالمثالِ على ذلك أنَّ المسلمينَ لم يكونوا عاجزين عن محاكاة الطبيعةِ  في  تصويرِهم أو رقِشهم. وفكرةُ التجريدِ عندَهم لم تولَدْ عن قصورٍ في فهمِ الأشياءِ، وإنّما عن رفِضِهم المادةَ ِالمجردةَ. ولهذا نفرَ أغلبُ المسلمينَ من تمثيلِ صورةِ الرسولِ (r  ) على الرغمِ من أنَّ ملامحه الإنسانيةَ موصوفةٌ بدقةٍ متناهيةٍ في كتبِ السيرةِ.

 

6- الفنون ُ التطبيقيةُ

إن فصلَ الفنِّ عن الحرفةِ هو فكرةُ غريبةٌ حديثةٌ؛ ففي الحضارة ِ الإسلاميةِ نجدُ الحرفيَّ هو الفنانُ الذي يقومُ بصنعِ الكأِس والصحنِ والعقدِ والعلبةِ والسيفِ. وكلُّ صنعةٍ تتطلبُ المعرفةَ

 

والمهارةَ اليدويةَ تُسمى فناً، وظلَّ هذا التعريفُ سارياً حتى يومِنا هذا في المناطق ِ الإسلاميةِ التي لم تؤثرْ فيها الحضارةُ الغربيةُ. فالفنُّ في المفهومِ الإسلاميِّ يجمعُ الصنعةََ والعلمَ معاً إذْ على المعماريِّ الإسلاميِّ أن يلمَّ بعلمِ الهندسةِ، ويتمتع بمهارةٍ علميةٍ كي يتمكنَ من تطبيقِ هذا العلمِ على قوسِ إسلاميِّ مثلا، بحيثُ يكونُ متينَ الأساسِ والبنيةِ، وجميلَ المنظرِ يسرُّ الناظرَ عند رؤياهُ، ولا يتنافى من ناحيةِ البناءِ أو التزويقِ معَ الفكرِ الإسلاميِّ، وينطبقُ هذا الشرطُ على جميعِ الفنونِ التطبيقيةِ من صناعةِ المعادنِ إلى الزجاجِ والأخشابِ والمنسوجاتِ، وكلِّ ما صُنعَ في العالمِ الإسلاميِّ . الشكل(8)

 

7- الموسيقى والغناء

كان َ الغناءُ في الحجازِ والجزيرةِ العربيةِ في العصرِ الجاهليِّ محصوراً في طبقةٍ منَ الجواري المغنياتِ بطلقُ عليهنَّ اسم ُ القيانِ، وكانَ العربُ يحبونَ الغناءَ والموسيقى،ويمضونَ وقتَ فراغِهم في نظمِ الشعرِ والطربِ، وظلتْ أنواعٌ كثيرةٌ من الموسيقى والغناءِ منتشرةً فيما بعدُ؛ فقد وصلتْنا بعضِ لأخبارِ عن حضورِ الرسول (صلى الله عليه وسلم) عدداً من المناسباتِ فيها الغناءِ منها زفافُ ابنتهِ فاطمةَ الزهراءِ على عليِّ بن أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُما .

وفي بدايةِ عصرِ الخلافةِ الراشديةِ، شغلتِ الفتوحاتِ ونشرُ الدينِ الخليفةَ والحكامَ والناسَ، فلم تحظَ الفنونُ بأيِّ رعايةٍ أو تشجيعٍ. وفي عهدِ عثمانِ بنِ عفانَ أخذتِ الأوضاعُ السياسيةُ والعسكريةُ تستقرُّ، وبدأ الناسُ يهتمونَ بالموسيقى، وظهرَ المغنونَ الذكورُ لأول مرةٍ في الحجازِ والجزيرةِ العربيةِ. بينما اشترك َ النساءُ والرجالُ في الغناءِ منذُ القدمِ في سوريةَ والعراقِ وبلادِ فارس. أما آلاتُ الطرب ِالمنتشرةُ آنذاكِ فهي: المعزفُ والعودُ والطنبورُ، والقصبةُ والمزمارُ والبوقُ، والدفُّ المربعُ والطبلُ.

وفي بدايةِ الخلافةِ الأمويةِ عندما انتقلت عاصمةُ الخلافةِ منَ المدينةِ إلى دمشقَ، جاءَ إليها كثيرٌ منَ المغنين الذينَ عُرِفوا  في عصرِ الخلفاء الراشدينَ، وكان َ الخليفةُ يزيدُ بنُ معاويةَ َأولَ من أدخلَ المغنينَ والطربَ والملاهيَ إلى البلاطِ الأمويِّ، وأولُ من أقامَ  الحفلاتِ الموسيقيةََ، وقلدَهُ الخلفاءُ من بعدِه؛ فرعوا المطربينَ والعازفين َ الموهوبينَ ، وأجادوا العزفَ هم أنفسُهم على الآلاتِ المختلفةِ وجرتِ العادةُ أنْ يجلسَ العازفون والمطربونَ وراءَ ستارةٍ تفصلُهم عن مجلِس الخليفةِ، ولكنّها كثيراً ما كانت ْ ترفعُ كي يشاركَ الحضورُ بالغناءِ والعزفِ.

اشتهرتْ مكةُ والمدينةُ بتفوقِهما في فنونِ الطربِ والغناءِ، وكانتا مركزينِ هامينِ للموسيقى العربية وكانَ  بلاطُ الخليفةِ في دمشقَ كلَّما احتاج إلى عازفٍ أو مطربٍ يرسلُ إلى مكةَ أو المدينةِ في طلبِه، وكانتِ الحجازُ بصفةٍ عامةٍ، مركزاً للموسيقى والغناءِ العربيِّ، وبخاصةٍ المدينةِ التي عُرفتْ بجوِّها المشبعِ بالثقافةِ والأدبِ  والفنونِ، منذُ أنْ كانتِ العاصمةَ زمنَ الخلفاءِ الراشدين َ.

وبعدَ الفتحِ الإسلامي دخلَ الغناءُ الفارسيُّ على الغناءِ العربيِّ على يد ابن مسجح الذي أخذ أيضاً الحانَ الرومِ، وأدخلَ العودَ الخشبيَّ الفارسيَّ على آلاتِ الموسيقى، واستعيضَ به فيما بعدُ عنِ العودِ  المصنوعِ منَ الجلدِ وازدادَ استخدامُ آلاتِ العزف ِ الخشبيَّ كالمزمارِ والناي. وهذا لا يعني أنَّ التأثيرَ الفارسيَّ في الغناءِ والموسيقى العربيةِ كانَ قوياً، بل العكس ُ هو الصحيحُ ؛ إذْ كان العربُ يعتزونَ بأصولِهم الموسيقيةِ، وكانتْ تلحنُ الأشعارُ، لمشاهيرِ الشعراءِ أمثالِ عمرَ بنِ أبي ربيعةَ.

وكانَ هناكَ أنواعُ من الغناءِ منها: الحداءُ وغناءُ الركبانِ والغناءُ المتقنُ والنواحُ. وعرفَ مطربو العصر ِ ستةَ إيقاعاتِ؛ اثنانِ منها ولدا في العصرِ الأمويِّ. وكان للمطربِ المشهورِ تلاميذُ يعلمُهم مهنتَه وأسرارَ فنِّه.

وفي العصر الأموي دونتْ  أولُ المعلوماتِ عنِ الموسيقى العربيةِ، وأولُ من قامَ بذلكَ ابنُ الكلبيِّ، وتبعَه المغني يونسُ الكاتبُ الذي جمعَ المعلوماتِ عن تاريخِ الموسيقى وسير المطربينَ والعازفينَ في الحجازِ في كتابِ (النغمِ)وكتابِ(القيانِ).

ويحتضنُ الفنُّ الإسلاميُّ أنماطاً متعددةَ الأساليبِ والأشكالِ، فعندَ بدايةِ الحضارةِ الإسلاميةِ التقى الفكر العربيُّ بفنونِ الحضاراتِ التي جاءتْ قبلَه كالبيزنطيةِ والساسانيةِ والقبطيةِ والبوذيةِ وغيرها، حينذاك قام العربُ باستعارةِ أشكالٍ منها،  وخلطوا بعضَها ببعضٍ واستخدموها في فنونِهم ، ولكنَّ هذا الأمر لم يدمْ طويلاً؛ فسرعانَ ما تخلصتِ الحضارةُ الإسلامية من هذه التأثيرات الخارجيةِ، لتبدعَ أشكالها الذاتيةَ المستمدةَ منَ المعتقداتِ الدينيةِ للإسلامِ بما في ذلك َ مفهومُها الخاصُّ  بالمادةِ. إن َّ رفضَ الإنسانِ المسلمِ تشخيصَ عالمِ المادةِ جعلَها يتجاوزُها؛ لأنها لا تفي بحاجتهِ الروحيةِ ، وهذا التجاوزُ للعالمِ الماديِّ  الملموسِ بأبعادِه الثلاثةِ، ورفضُ محاكاتِه أعطى الصفةَ الأبديةَ للفنِّ الإسلاميِّ، فكلُّ الفنون السابقةِ البوذيةِ والبيزنطيةِ والمسيحيةِ زالتْ بزوالِ حضاراتِها، بينَما لا يزالُ الفنُّ الإسلاميُّ حياً، وبعضُ أشكالهِ وأنماطهِ مستمرةً على الرغمِ من ركودِ حضارِته.

ولكن ْ كيف يمكن إحياء ُ التراثِ الإسلاميِّ؟ إنَّ المطلوبَ من عمليةِ((إحياءِ التراثِ)) توعيةُ الإنسانِ العربيِّ بنتائجِ تراثهِ النابعِ منَ الحضارةِ الإسلاميةِ، واخذُ ما مفيدٌ لـهُ في حاضرِه، والإفادةُ منه في استكمالِ العلومِ المعاصرةِ التي يدرسُها حسبَ متطلباتِ عصرهِ.

الفنُّ الإسلاميُّ، وما يشتملُُ عليهِ من فنون العمارةِ والخطِّ والرقشِ والتصويرِ والحفرِ والنسيجِ والموسيقي، هو جزءُ لا يتجزأُ من هذهِ الحضارةِ الإسلاميةِ والتراث الإسلاميِّ. ومعَ مرورِ الزمنِ اندثرتْ هذه ِ الفنونُ لتغطى عليها فنونُ الغربِ وتحلَّ محلَّها. أما حركةُ إحياءُ الفنونِ التي بدأت منذُ عقدينِ منَ الزمنِ، فقد جاءتْ على صورةِ تقليدٍ مظهريٍّ بحتٍ دونَ تعمقٍ أو دراسةٍ متطورةٍ أو فهمٍ حقيقيٍّ، فاصبحَ القوسُ في البناءِ، وإنْ كان قوساً بيزنطياً ، يمثل بالنسبةِ لنا قوساً إسلامياً وأصبحت النجمةُ السداسية نجمة َ داودَ، بينما هي ُأصلاً شكلٌ من أشكالِ الرقشِ العربيِّ ، وأعيدَ تأليفُ الموشحِ الأندلسيِّ والمقامِ البغداديِّ دون أيِّ تجديدٍ يتمشى مع ذوق ِ شبابِ العصر في الموسيقى، ومن هنا علينا أن  نحاول فهم بدايةِ نشأةِ الفنِّ الإسلاميِّ ، ومعرفةَ ماهيتِه لإزالة الجهلِ الذي يكتنفُنا ، وهذا يقضي أن نمرَّ بالعصورِ الإسلاميةِ المبكرةِ التي نشأَ وترعرعَ فيها الفنُّ الإسلاميُّ، واستمرَّ من بعدِها إلى يومنا هذا وهي:

1-  الأمويُّ

2-  العباسيُّ

3-  الأندلسيُّ

 

الشكلُ(2): قصرُ الحرانةِ.‏
الشكلُ(3): تجليدٌ للمصحفِ الشريفِ.‏
الشكلُ(4): زخرفةٌ إسلاميةٌ(المصحفُ الشريفُ).‏
الشكلُ(5): استعمالُ الخطِّ كعنصرٍ زخرفيٍّ في العمارةِ.‏
الشكلُ(6): زخرفةُ الرقشِ العربيِّ.‏
الشكلُ(7): جداريةُ قصرِ عمرةَ.‏
الشكلُ(8):صحنٌ خزفيٌّ.‏